جلال الدين السيوطي

82

الاكليل في استنباط التنزيل

قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ، فيه أن الميراث إنما يقسم بعد قضاء الدّين وتنفيذ الوصايا ، وفيه مشروعية الوصية واستدل بتقديمها في الذكر من قال بتقديمها على الدين في التركة ، وأجاب من أخّرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها ، واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل وكثر ولو استغرق المال ومن أجازها للوارث والكافر حربيا كان أو ذميا ، واستدل بالآية من قال : إن الدين يمنع انتقال التركة إلى ملك الوارث ومن قال : إن دين الحج والزكاة مقدم على الميراث لعموم قوله دَيْنٍ . 12 - قوله تعالى : وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ إلى قوله : وَإِنْ كانَ رَجُلٌ ، فيه أن للزوج النصف حيث لا ولد للزوجة والربع معه وأن للزوجة الربع حيث لا ولد للزوج والثمن معه سواء أكانت الزوجة واحدة أم أكثر وسواء كان الولد ذكرا أو أنثى ومنه أم من غيره وغيرها . واستدل ابن عباس بقوله فإن كان لكم ولد على أن ولد الولد لا يحجب . قوله تعالى : وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً الآية ، فيه أن الميت إذا لم يكن له ولد ولا والد وهو معنى الكلالة في الأشهر يرثه إخوته من الأم ويفهم منه أن الأصول والفروع يحجبون ولد الأم وأن الواحد من ولد الأم له السدس ذكرا كان أو أنثى قرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم ، أخرجه سعيد بن منصور وغيره ، وفيه ان الاثنين من ولد الأم فصاعدا لهم الثلث من غير زيادة يشتركون فيه ذكرهم وأنثاهم سواء ومن ورث ولد الأم مع البنت لم يدخلها في مسمى الكلالة وكذا من ورثها مع الأب ومن أدخلها في مسماها ولم يورثها مع الجد قال إنه لا يسمّى أبا . قوله تعالى : غَيْرَ مُضَارٍّ ، فيه تحريم الأضرار في الوصية ، وفسر في الحديث بأن يزيد على الثلث أخرج النسائي وغيره عن ابن عباس . قال الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ : غَيْرَ مُضَارٍّ ، وأخرج أحمد وأبو دواود والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا : « إن الرجل يعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف « 1 » في وصيته فختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة » ثم يقول أبو هريرة أقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله عَذابٌ مُهِينٌ . تنبيهان : الأول استدل بعموم الآية من قال بالإرث من الأنبياء وبإرث القاتل

--> ( 1 ) حاف : أي جار في الوصية ، ومال عن الحق والعدل .